………….
سلسلة الهاتف الخفي
المرآة المشروخة
بعد انكسار الصداقة، لم تكن ليان تفتقد لانا كما توقعت.
لأن الألم لم يعد في الغياب، فبعد أن انكسر قلبها، شعرت أنها كانت تفتقد نفسها.
لأنها لم تسأل : من رحل ؟
بل سألت السؤال الأصعب : ما الذي بقي مني ؟
فحين نظرت إلى نفسها، لم ترَ إلا مرآة مشروخة.

في صباحٍ مزدحمٍ بالأنشطة الجامعية، جلست ليان مع زميلاتها في مكتبة الجامعة يتحدثن عن مسيرتهن المهنية، بما أنهن أقتربن من أبواب التخرج.
فسمعت إحداهن تتحدث عن مشروعٍ ناجحٍ بدأته على الإنترنت، وأخرى عن منحة دراسية حصلت عليها، وثالثة تستعد للسفر لإكمال دراستها في الخارج، ورابعة تعمل في مجال التعليم رغم استمرارها في الدراسة، سعيًا منها لزيادة معرفتها وخبرتها.
ابتسمت ليان بخجل، وحاولت الخروج من هذا الجلسة سريعاً لكن في داخلها شعرت أنها صغيرة جدًا أمام كل ما سمعته من زميلاتها، وكأنها لم تُنجز شيئًا يمنحها سببًا للفخر بنفسها.
تمتمت في سرّها : الجميع يتقدم، وأنا ما زلت متأخرة عن الجميع.

لماذا تسلّل القلق والخيبة إلى قلبها، كأنها تنظر إلى نفسها في مرآةٍ مشروخة لا تعكس إلا عيوبها، تخفي عنها كل ما تملكه من جمالٍ وقوة.
رنّ الهاتف الخفي على المكتبة بجوار حقيبتها.
التقطت السماعة بسرعة، فجاءها صوتها، عميقًا، حازمًا،
ممتلئًا باليقين :
ليان، لماذا تقارنين نفسك بالآخرين ؟
قالت بمرارةٍ وحسرة :
لأنهن جميعًا ينجحن، وأنا لا أملك شيئًا يميّزني.
وبجوار الهاتف، ظهر المفتاح هذه المرة بلونٍ رمادي، له عينان تنظران إليها بحزنٍ شديد.
تعجبت ليان من ذلك المنظر، لكنها أصغت للصوت بصمت،
وقد أخافتها هيئة المفتاح.
ضحك الصوت ضحكة خفيفة، وقال :
أتدرين ما المقارنة ياليان ؟ إنها مثل مرآةٍ مشروخة، لا تعكس حقيقتك، بل تكسر صورتك وقوتك.
ثم أردف قائلاً :
لكِ إيقاعكِ الخاص يا ليان في لحن مسيرتك، قد يكون بطيئًا،
وقد يكون مختلفًا، لكنه إيقاعكِ وحدك.
ثم قال الصوت بهدوء، الزهور لا تتفتح جميعها في اللحظة نفسها، لكل زهرة وقتها، وجمالها، وعبيرها الذي يفوح ويظهر حين يحين أوانه.
قالت ليان بصوتٍ خافت :
لكنني أخشى أن أبقى متأخرة دائمًا، وألا أحظى يومًا بالتميّز.
فأجاب الصوت بحزم :
التأخر الحقيقي يا ليان ليس في أن تصلي متأخرة، بل في أن تتوقفي عن السير أصلًا. خطواتكِ الصغيرة اليوم ستُبنى فوقها قلاعٌ راسخة غدًا.

وبينما كان الصوت يتحدث، بدأ لون المفتاح يتغيّر تدريجيًا، من الرمادي الباهت إلى الأبيض المضيء.
لأن ليان شعرت في ذات الوقت بتغيير ، وكأن فكرةً لامعة قد مرّت في داخلها، كأنها وجدت ضالتها أخيرًا.
قال الصوت : حين تنشغلين بمسارك، وترعين شغفك، لن يهمكِ سباق الآخرين،
لأنكِ في الحقيقة تسيرين وتنجحين يا عزيزتي، ولكن بطريقتك أنتِ، وبتميّزك أنتِ.
لمعت عينا ليان بدموعٍ مختلفة، لم تكن دموع حزن، بل دموع فرح وفهمٍ وإدراك.
ابتسمت للمرة الأولى، وقالت بهدوء : ربما حان الوقت لأن أؤمن بأن وقتي حتماً سيأتي.
وقبل أن ينقطع الاتصال، جاءها الصوت بنبرة واضحة :
انظري إلى نفسكِ في مرآتكِ الحقيقية يا ليان، لا في المرآة المشروخة، هناك فقط سترين أجمل صورة وأقوى انتصار.

أغلقت ليان السماعة، ونهضت بخطواتٍ أهدأ، وكأنها وجدت صورتها أخيرًا دون تشويه.
كانت تمسك بمفتاح الطريق، ومفتاح العمل، ومفتاح الرغبة والشغف الذي يجعلها تشعر في أعماقها أنها موجودة.
بعد تلك اللحظة فقط، لم تعد ليان تنظر إلى نفسها بالطريقة ذاتها.
فالمرآة المشروخة لم تختفِ، لكن ليان لم تعد تقف أمامها طويلًا.
فقد بدأت تفهم شيئًا بسيطًا وأثره كان عميقًا :
أن المقارنة أرهقتها، وأن انتظار اللحظة “المثالية” جعلها تتأخر عن التجربة والمحاولة.
مرّت الأيام الأخيرة في الجامعة بهدوء مختلف. لم تكن ليان الأكثر إنجازًا، ولا الأكثر بروزًا، لكنها كانت أكثر وعيًا بنفسها.
وحين أنهت دراستها الجامعية، لم تشعر بالفراغ الذي كانت تخشاه،
بل بشيء أقرب إلى السؤال : وماذا الآن ؟
دخلت عالم العمل كما دخلت الجامعة من قبل، بلا يقين كامل،
لكن هذه المرة كانت تحمل شيئًا لم يكن معها سابقًا :
صوتها.
لم تعد تبحث عن مكان يُصفّق لها الآخرون بل عن مكان تضطر فيه أن تهذب نفسها لتبقى.
وهكذا، من مرآةٍ كانت تعكس خوفها، خطت ليان أول خطوة خارج الدائرة، “دائرة المقارنة“، و”دائرة السير” كما يفعل الجميع، و”دائرة هذا ما يجب فعله ”.







