خطوة خارج الدائرة

سلسلة الهاتف الخفي 


خطوة خارج الدائرة

………….
 
سلسلة الهاتف الخفي 



خطوة خارج الدائرة

الحياة .. لا تنتظر أحدًا ليشعر بالاستعداد.
وبينما كانت ليان تحاول أن تفهم نفسها، كانت الحياة تفتح أمامها بابًا جديدًا، بابًا لن يسألها إن كانت مستعدة.

لم يكن يشبه الجامعة، ولا يشبه أي شيء اعتادت عليه.
كان أكثر صمتًا… وأكثر جدية… وأقل تسامحًا مع التردد.

فهمت ليان شيئًا مهمًا : معرفة النفس لا تكفي وحدها، إن لم تتحول إلى فعل وعمل.

تنفست بعمق، وخطت نحو هدفها الذي طالما حلمت به : الوظيفة والبداية.

في أول يوم عملها، لم يكن المكتب صغيرًا كما بدا، بل كانت هي التي شعرت بأنها أصغر من المكان.
جلست في زاوية هادئة، أمام شاشة الكمبيوتر، تنتظر من الأوراق أن تحكي لها شيئًا، لكنها لم تعرف من أين تبدأ.

أصوات الطابعات، ورنين الهواتف، خطوات الموظفين، ونبرة الجدية في المكان، كل شيء كان يقول لها :
“هنا، لا مجال للتردد، فقط اعملي”

مرّت مشرفتها بجانبها، توقّفت قليلًا، وقالت بنبرة هادئة :
ليان، هذا أول تقرير لكِ، صحيح ؟

رفعت رأسها بسرعة :
نعم، لكن أشعر أنني قد لا أكون على المستوى.

ابتسمت المشرفة ابتسامة خفيفة، وقالت :
لا أحد يكون مستعدًا في البداية. ابدئي فقط، سوف تتحسنين لاحقًا، ومضت.

بقيت ليان تنظر إلى الشاشة، لكن الكلمات لم تأتِ.
جاء الخوف أولًا :

ماذا لو أخطأت ؟
ماذا لو لم أكن جيدة كفاية ؟

ارتجفت يدها فوق لوحة المفاتيح،
وفجأة .. ومض ضوء خافت على طرف المكتب.

رنّ الهاتف الخفي
تجمّدت للحظة ثم التقطته، وكأنها كانت تنتظره دون أن تنطق بحرف.

ليان، ما بالكِ تقفين على باب الخوف والقلق ولا تدخلين إلى باب العمل ؟

همست :
أخاف أن أكون مخطئة، أشعر أنني لست مستعدة.

ضحك الصوت بهدوء :
المسؤولية لن تحبسنا، بل تعلّمنا الحرية والمسوؤلية ياليان.

سكتت.

لن تصبحي قوية وأنتِ داخل دائرتك المريحة،
تابع الصوت، القوة تبدأ فقط عندما تخطئين، بشرط أن تبدأي، ثم تتعلمين، ثم تحاولين من جديد.

قالت بتردد :
لكنني لا أحب الخطأ.

أجاب الصوت :
ولا أحد يحبه، لكن الخطأ ليس عدوكِ، إنه أول معلّم حقيقي لكِ. 

ابدئي ولا تخجلي إن أخطأتِ.

أضاء الهاتف فجأة وظهر مفتاح جديد.
لم يكن لامعًا، بل بلون هادئ وثابت، يشبه الجدية.

قال الصوت :
هذا مفتاح الجرأة والمسؤولية.

ليس المطلوب منك أن تندفعي بدون وعي، بل أن تبدأي رغم الخوف الذي يحاصرك.

نظرت ليان إلى المفتاح بصمت شديد، كأنها تجتذب القوة من أعماقها.

وأضاف الصوت بحزم :
الاستقلال لا يعني أن تفعلي كل شيء وحدك، بل أن تعرفي متى تعتمدين على نفسك، ومتى تطلبين المساعدة دون خجل.

أخذت نفسًا عميقًا، وتنهدت، ثم قالت :
وهل يكفي أن أبدأ ؟

البداية، هي أكثر خطوة شجاعة لابد لك الآن أن تتخذينها.

انقطع الصوت. وفجاة ، عاد المكتب كما هو، لكنها لم تعد كما كانت.

نظرت إلى الشاشة مرة أخرى، وضعت أصابعها على لوحة المفاتيح، وكتبت أول سطر.
لم يكن مثاليًا، لكنه كسر دائرة الخوف والتردد.

وفي منتصف العمل، توقفت قليلًا، ثم التفتت إلى زميلتها الجالسة بجانبها وقالت بهدوء :
هل يمكنك أن توضحي لي هذه النقطة ؟

ابتسمت زميلتها وقالت : طبعًا، كلنا بدأنا من هنا.

ابتسمت ليان للمرة الأولى، لأنها شعرت بأنها ليست أقل من الآخرين، بل استوعبت أنها في بدايتها فقط.

ومع نهاية اليوم، لم تكن قد أتقنت كل شيء، لكنها فعلت ما هو أهم :
ألقت برداء رهبة البداية، وبدأت.
شعرت بأن الدائرة لم تعد كما كانت، بل أصبحت أوسع وأكثر ارتياحًا.
لأنها أخيرًا… خطت خطوة خارجها.