قولي لا بلباقة ،، مفتاح الحدود

سلسلة الهاتف الخفي 


قولي لا بلباقة

………….
 
سلسلة الهاتف الخفي



قولي لا بلباقة
مفتاح الحدود

منذ أن بدأت ليان أول وظيفة في حياتها، كانت تؤمن بأن النجاح لا يتحقق إلا إذا أصبحت الشخص الذي يمكن للجميع الاعتماد عليه.

كانت في العمل، توافق على المهام الإضافية دون تردد.
وفي المنزل، تتحمل مسؤوليات كثيرة بصمت.
وفي علاقاتها، تسارع إلى المساعدة حتى عندما تكون منهكة.

كانت تعتقد أن قول “نعم” المستمر دليل على الاجتهاد والطيبة والمحبة.

لكنها لم تكن تدرك حقيقة مؤلمة :

أحيانًا لا نخسر أنفسنا في لحظة واحدة، بل نفقدها تدريجيًا كلما خفنا من قول كلمة صغيرة من حرفين.

على مدى سنين في حياتها وشهور طويلة في عملها، كانت ليان تبني صورة الفتاة المثالية التي يعتمد عليها الجميع.

وفي المقابل، كانت هناك فتاة أخرى داخلها تزداد تعبًا كل يوم، تنتظر منها شيئًا واحدًا فقط : أن تدافع عنها.

ولم يحدث ذلك، إلا عندما اجتمعت عليها الحياة من كل الجهات في يوم واحد.

لكنها لم تكن تدرك أن كل “نعم” تقولها للآخرين على حساب نفسها، كانت في الحقيقة “لا” خفية لراحتها وصحتها وأحلامها.

مرّت الشهور، وأصبحت ليان الشخص الذي يلجأ إليه الجميع، زميلاتها يطلبن مساعدتها في إنجاز الأعمال، صديقاتها يعتمدن عليها في كل أزمة، وأفراد أسرتها يثقون بأنها ستتحمل المزيد دائمًا.

في البداية شعرت بالفخر، ثم بدأ الإرهاق يتسلل إليها بهدوء.

أصبحت تستيقظ متعبة، وتنجز مهامها بصعوبة، وتشعر بأنها تركض طوال الوقت دون أن تصل إلى راحة حقيقية.

ومع ذلك، لم تكن قادرة على الرفض، كانت تخشى أن تبدو أنانية، أو مقصرة، أو أقل محبة مما يظنه الآخرون.

وفي أحد الأيام، وافقت ليان على إنجاز مهمة إضافية لزميلة رغم تراكم مسؤولياتها الأساسية، عملت حتى وقت متأخر، لكنها أخطأت في تقرير مهم أمام الإدارة.

بعد الاجتماع، استدعتها المديرة وقالت بلهجة حاسمة :
“ليان، ما أراه أمامي ليست الموظفة المجتهدة التي تعوّدنا عليها، بل شخصًا لا يعرف كيف يحمي حدوده”، أنتِ توافقين على كل شيء حتى لم يعد لديك ما تقدّمينه للعمل الحقيقي.

إذا استمريتي بهذه الطريقة، فسوف يأتي يوم تنهارين فيه، ولن يبقى منك شيئاً تساعدي فيه نفسك وغيرك.”

خرجت ليان من المكتب وهي تشعر أن الكلمات لم تتحدث عن وظيفتها فقط، بل عن حياتها كلها.

صدمة الصداقة ..

وفي طريق عودتها، تلّقت رسالة من صديقتها سارة :

“أنا في المقهى المعتاد. تعالي الآن، أحتاجك.”

رغم الإرهاق، وافقت كعادتها.

جلست تستمع لسارة طويلًا، ثم قالت بصوت متعب :
“أنا مرهقة جدًا اليوم، هل يمكن أن نكمل لاحقًا؟”

ردّت سارة ببرود : “لقد تغيرتي يا ليان كثيرًا. كنتِ دائمًا موجودة من أجلي، أما الآن فأشعر أنك لم تعودي تهتمين بي.”

شعرت ليان بالذنب فورًا، وكأن تعبها الشخصي خطأ يجب أن تعتذر عنه.

في اللحظة نفسها، صادفتها صديقتها نورة، لاحظت شحوب وجهها، جلست بجانبها ثم قالت بهدوء :

“الإنسان الذي يحبك لا يطلب منك أن تؤذي نفسك لتثبتي له محبتك.”

ثم أضافت : “بعض الناس يعتادون على عطائك حتى يظنون أنه حق لهم، وليس كرماً منك.”

كانت كلمات نورة صادقة ومؤلمة.

شعرت ليان أن الحقيقة بدأت تنكشف أمامها، عادت إلى منزلها في وقت متأخر وهي في غاية الاستياء والحزن، مما حدث لها، عادت مرهقة وهي تفكر فيما حدث معها طوال اليوم، وكأن شيئا في داخلها بدأ يستيقظ، يعلمها بالحقيقة الغائبة عنها.

استيقظت ليان متأخرة في صباح اليوم التالي عن دوامها وبينما كانت تستعد للخروج مسرعة، سمعت صوت والدتها تقول لها :

“ليان، بما أنك دائمًا تتحملين المسؤولية، أريدك أن تتولي هذا الأمر أيضًا.”

توقفت في مكانها.. للمرة الأولى أدركت أن قدرتها على التحمل أصبحت سببًا لتحمّلها المزيد من المسؤليات باستمرار.

عادت إلى غرفتها وأغلقت الباب وسقطت على الأرض، وانهارت بالبكاء.

كلمات المديرة. موقف سارة. حديث نورة. وجملة والدتها الأخيرة  التي قصمت ظهر البعير ، كلها اجتمعت في وقت متقارب ؛ لتكشف لها الحقيقة المؤلمة .

لقد أمضت سنوات تحاول الاحتفاظ بالجميع، بينما كانت تخسر نفسها بصمت.

رنين الهاتف الخفي

وفي وسط دموعها المنهمرة، رن الهاتف الخفي وظهر الضوء الذهبي المعتاد.

أجابت سريعاً بصوت مرتجف : “هل كنت أظن أن محبة الآخرين أهم من نفسي؟”

رد عليها الصوت بهدوء : “أنتِ لم تخطئي عندما أحببتِ الناس وكنت على استعداد دائم لمساعدتهم، لكنك أخطأتِ عندما ظننتِ أن محبتهم تستحق منك أن تخسري نفسك.”

ثم سألها : “كم مرة خفتِ من أن يتركك الآخرون، حتى تركتِ نفسك وحدها تخوض هذا الصراع المؤلم” .

أغمضت ليان عينيها، ولم تجد جوابًا سوى الدموع.

ظهر على الشاشة مفتاح أزرق مضيء كُتب عليه : الحدود.

قال الصوت : “قول لا ،، لا يعني أنك ترفضين الآخرين، بل يعني أنك توقفتِ عن رفض نفسك.”

أمسكت ليان بالمفتاح، وشعرت للمرة الأولى أن كلمة صغيرة من حرفين قد تكون أعظم حماية لروحها ونفسها وفكرها وأخيراً لجسدها .

وفي تلك اللحظة بدأت رحلتها الحقيقية نحو استعادة نفسها.

لأنها بكل بساطة لم تهتز الأرض من تحتها، ولم تخسر الناس كما كانت تخشى، ولم يتوقف العالم ولو لحظة.

لكن شيئًا أهم حدث.

للمرة الأولى، شعرت أن صوتها الداخلي عاد إليها، أصبحت أكثر هدوءًا، أكثر وضوحًا، وأكثر احترامًا لنفسها.

وضعت مفتاح الحدود بجوار المفاتيح السابقة، ونظرت إليه بابتسامة مطمئنة.

كانت تعتقد أن رحلتها انتهت هنا.

لكن الهاتف الخفي لم يصمت طويلًا.

في تلك الليلة، وبينما كانت ترتب أوراقها استعدادًا ليوم جديد، لاحظت رسالة صغيرة ظهرت على شاشة الهاتف :

“الآن بعد أن تعلمتِ كيف تحمين حدودك،، هل تعرفين إلى أين تريدين أن تتجه حياتك؟”

تجمدت ليان في مكانها، ثم ظهر مفتاح جديد يلمع بلون فضي هادئ.
يحمل مفهوماً جديداً قد غاب عنها …

رن الهاتف مرة أخرى .. لتبدأ رحلة جديدة، أكثر عمقًا من كل ما سبق.