………….
سلسلة الهاتف الخفي
اختاري تخصصك
في ليلة هادئة، جلست ليان وحدها في غرفتها، مستغرقة في البحث عن تخصصها الجامعي وفي رأسها أسئلة كثيرة.
تارة تنظر في شاشة هاتفها، وهي في حيرة من أمرها، وتارة تحدق في سقف غرفتها وكأن الإجابة ستمطر عليها.
حيرة صامتة تلفها، وفجأة تسأل نفسها ؟ ماذا أريد أن أصبح، وماذا سأدرس، وماذا سأختار .

ثم تعود وتنظر إلى هاتفها مرة أخرى، تحرّك المؤشر قليلًا، لعل تجد جواباً منه، لكنه توقّف فوق خيار (اختر تخصصك).
والسؤال نفسه ثابت أمامها،،
لم يكن في الغرفة أحد غيرها، ولا أحد يرغمها على إتخاذ قرارها، ومع ذلك شعرت بأن صدرها يضيق بها.
وهذا أول سؤال لا تستطيع تأجيله.
لم تكن تجهل معنى التخصصات، ولا تخاف الجامعة كما يظن البعض، لكنها كانت تخاف من شيء أبسط وأعمق :
ماذا لو اختارت، ثم اكتشفت أنها لا تشبه اختيارها ؟
وماذا لو لم يكن لديها شغف حقيقي ؟، فقط مجرد رغبات عابرة.
أغلقت الهاتف فجأة، كأنها أغلقت ما يطالبها بإجابة لا تملكها.
نهضت من مكانها، سارت في الغرفة ببطء، كل شيء يبدو كما هو، لكنها لم تكن هي كما كانت. لم تعد تلك الفتاة التي تُنجز المطلوب ثم تنتقل للذي يليه.
الآن المطلوب منها شيء مختلف ،،
أن تختار لنفسها، أن تتخذ قرارها فيما يخص هويتها ومستقبلها.
جلست على طرف السرير، وضعت كفّيها على وجهها، وشعرت بذلك الفراغ الذي لا يُرى، فراغ بين الرغبة والخوف، بين الاحتمالات الكثيرة، وعدم اليقين.
وفي اللحظة التي همست فيها لنفسها : ليت أحدهم يخبرني من أكون، رنّ الهاتف الخفي.
ليس هاتفها الذي في يدها، ولا ذاك الذي اعتادت صوته.
كان رنينًا قصيرًا، واضحًا، يرن بالقرب من منضدتها، رفعت رأسها ببطء، لم يكن هناك شيء على مكتبها قبل لحظات، ما هذا ؟
إنه هاتف صغير داكن اللون، بلا شاشة مضيئة، كأنه ينتظرها فقط.
لم ترد عليه وأخذت تنظر إليه بدهشة ثم ضحكت ضحكة خافتة، متوترة، وقالت : بالتأكيد أنا مرهقة.
لكن الرنين عاد. لكن الرنين هذه المرة كان أطول، لم تفكّر كثيرًا.. مدّت يدها ورفعت السماعة.

جاءها الصوت هادئًا، ليس غريبًا، ولا مألوفًا تمامًا :
الصوت الخفي : أعرف هذا التردّد يا ليان.
ليان : ـ شهقت ـ من أنتِ ؟
الصوت : أنا أنتِ، صوتك الداخلي.
قال الصوت بهدوء : لكن بعد أن توقّفتِ عن الهرب من هذا السؤال.
ابتلعت ليان ريقها : أي سؤال ؟
ساد صمت قصير – ثم جاءها الجواب : ليس ماذا ستدرسين يا ليان
بل… لماذا تريدين أن تختاري أصلًا ؟
أحسّت ليان أن الكلمات أصابتها في عمق قلبها، لم تعرف كيف تشرحه.
ردت ليان بصوت منخفض : أخاف أن أختار خطأ .
قال الصوت بلطف : أنتِ تخافين أن تختاري بصدق. ثم تكتشفي أنكِ لا تعرفين نفسك بعد.
لم تستطع ليان الرد. ولم تنطق بكلمة واحدة.
هنا …أضاء الهاتف فجأة، وظهر في يدها مفتاح صغير .
الصوت : هذا أول مفاتيحك، مفتاح الحيرة، لا تحاولي التخلص منها سريعًا، فهي ليست عدوك، هي إشارتك الأولى بأنك بدأتِ تفكّرين بنفسك.
أغلقت ليان يدها حول المفتاح، وضمته بقوة، وشعرت أن ثقل حيرتها لم يختفي، لكنه أصبح مفهومًا.
سألت ليان : هل ستخبرينني ماذا أختار ؟
ابتسم الصوت : أنا لا أختار عنك، أنا فقط أبقى معك وأنتِ تتعلّمين كيف تسمعين نفسك.
ثم انقطع الاتصال، واختفى الهاتف، وبقي المفتاح في يدها وبقي معه السؤال، لكنّه لم يعد مخيفًا كما كان.
عادت ليان إلى شاشة هاتفها، ووضعت إصبعها على الإختيار الذي أعتقدت بأنه يشببها.
لأنها هذه المرة شعرت بأنها لن تضيّع الوقت، وبالفعل حاولت البدء.








اترك تعليقاً