………….
سلسلة الهاتف الخفي
حين ينكسر القلب بالصداقة
لم يحدث الانكسار فجأة،، لكنه بدأ بشيء صغير لا يُرى..
رسائل تُفتح ولا يُردّ عليها، تجاهل بلا مبرر، ومسافة تزداد بهدوء بين قلبين جمعتهم صداقة الأخوة.
في صباح بارد، جلست ليان في حديقة الجامعة، وهي تشعر بضيق وتعجب من تصرف صديقتها لانا.
وبلا وعي منها فتحت هاتفها، فانسابت الرسائل القديمة أمامها :
ضحكات، أسرار ، وجملة توقفت عندها طويلًا :
” مهما صار .. أنا معك “
أغلقت الشاشة بسرعة، كأن الكلمات صفعتها.
رفعت رأسها فرأت لانا تسير بالقرب منها على الممر الممتد في الحديقة، تضحك بثقة، محاطة بوجوه جديدة وحياة جديدة.
نهضت ليان قبل أن تفكّر تنادي صدقتها لانا.
توقّفت لانا، والتفتت ببطء، وعلى وجهها تلك الابتسامة المهذّبة التي تُمنح للشخص الغريب، وليست للأصدقاء المقربين .
“ردت ببرود لم تعهده منها من قبل” نعم ؟

وقفتا متقابلتين. لم تجلسا، ولم تضحكا، كأن المكان لا يسمح لتلك المشاعر أن تظهر .
قالت ليان بصوت ثابت :
— لانا أريد أن أسألك سؤالًا وأريدك أن تكوني صادقة.
ترددت لانا قليلًا، ثم قالت : تفضلي.
— متى قررتِ أن تبتعدي ؟
ارتبكت لانا ..ماذا تقصدين يا ليان ؟
— أقصد ، متى أصبحتُ بالنسبة لك شخصاً يمكنك تجاهله ؟
متى تحوّلت كل تلك السنوات إلى مجرد انشغال ؟
خفضت لانا نظرها، ثم تنفّست بعمق.
— ليان، لقد تغيرت الأمور وتغيرت توجهاتنا وقراراتنا. الجامعة مختلفة عن المدرسة وكل شئ يتغيّر .
خرج السؤال من ليان دون استئذان..
وأنا ؟ هل تغيّرتُ أنا أيضًا ؟
أم فقط أصبحتُ غير مناسبة لحياتك الجديدة ؟
رفعت لانا رأسها، وفي عينيها شيء بين الدفاع والذنب.
— لم أقصد أن أؤذيك.
لكنني لم أعد أملك الوقت الكافي لنتقابل، وكما تعرفين اختلاف أوقات المحاضرات وضغط الدراسة. لا يمكنني أن أكون كما كنت.
ساد صمت ثقيل.
قالت ليان بهدوء موجع :
— لم أطلب منكِ أن تكوني كما كنتِ. طلبت فقط ألا نفترق.
وأنا أحاول أن أحافظ على علاقتي بك.
قالت لانا بعد تردد : ربما كنتِ تعتمدين عليّ أكثر مما يجب.
كانت الجملة قصيرة.. لكنها كسرت شيئًا كانت ليان تعتقد أنه غير حقيقي.
ابتسمت ليان ابتسامة باهتة .. ربما.
أو ربما كنت أظن أن الصداقة مكان آمن لا يحتاج إلى تبرير .
صمت طويل. سألت ليان أخيرًا.
هل ما زلتُ صديقتك يا لانا ؟
لم تُجب لانا فورًا.
وكان هذا هو الجواب.
أومأت ليان برأسها ببطء وردت بغضب مكبوت.
— شكرًا لك.
سألت لانا .. على ماذا ؟
— على الصدق، حتى لو جاء متأخرًا أو صريحاً.
استدارت ليان ومضت. وعادت وجلست على المقعد، وحينها شعرت بالفراغ يمتلئ في صدرها.
رنّ الهاتف الخفي.
لم تفزع، ولم تخف هذه المرة، كأن الرنين خرج من قلبها لا من حقيبتها.
ظهر الهاتف على المقعد القريب منها، وبجواره مفتاح على شكل قلب، يتوهّج بنور دافئ . كأنه يعرف مكان الألم.
رفعت السماعة. قال الصوت بهدوء قريب.
هذا هو الكسر الحقيقي يا ليان، ليس لأن أحدهم رحل، بل لأنكِ منحتِ قلبك كاملًا دون أن تتركي لنفسك موضع أمان.
قالت بصوت مختنق :
أشعر أنني فقدت شيئًا كبيرًا، وأخاف ألا أثق بأحد مجددًا.
أضاء المفتاح أكثر .
وقال الصوت :
— الخذلان لا يقول إنكِ لستِ جديرة بتلك الصداقة، بل يقول إن بعض القلوب لا تعرف كيف تحمل ما يُعطى لها.
همست ليان : أشعر بالفراغ،
قال الصوت :
— شعورك بالفراغ، لأنكِ بنيتِ دفئك ومحبتك في مكان واحد وربما لا يستحق.
والآن سوف تتعلّمين أن تعودي إلى نفسك.

تابع الصوت حديثه بثبات.
— هذا مفتاح الروح الصافية، سيعلّمك أن تحبي بصدق،
لكن دون أن تذوبي، أن تُعطي وأنتِ ثابتة.
أمسكت ليان بالمفتاح، وشعرت بالدفء يحيط بقلبها.
لم يلتئم هذا الكسر، لكنه توقّف عن النزف.
وفي تلك اللحظة انقطع الاتصال.
رفعت ليان عينيها نحو السماء، فرأت الشمس ثابتة وواضحة أمامها، كأنها تذكّرها
أن بعض الأشياء تبقى حتى عندما تتغيّر الأمور من حولنا.
همست لنفسها :
— سأبقى دائما وفية، لكن هذه المرة لن أترك نفسي خلفي تخدعني.
ونهضت، بقلبٍ موجوع، لكن واعٍ.
وكان ذلك بداية نضجٍ آخر .
بعد تلك المواجهة، لم تعد ليان تبكي كما كانت.
الكسر لم يختفِ، لكنه غيّر شكله. لم يعد ألمًا موجّهًا نحو لانا، بل عاد إليها هي، كأنه يسألها كل صباح :
من أنتِ الآن، بعد أن رحل من كنتِ تستندين إليه ؟
بدأت ليان تراقب نفسها أكثر ، خطواتها، صمتها، حضورها بين الآخرين.
وحين خفّ صوت الصداقة المكسورة، ارتفع صوت المقارنة.
نعم المقارنة ..
لم تعد تخشى أن تُترك، بل بدأت تخشى أن تكون أقل.
وهكذا ،، من قلبٍ انكسر بالصداقة .
انتقلت ليان إلى مواجهة أخرى أشدّ خفاءً :
مواجهة نفسها في مرآة لا ترحم.








اترك تعليقاً