مفتاح الاتجاه

سلسلة الهاتف الخفي


مفتاح الاتجاه

………….سلسلة الهاتف الخفي


مفتاح الاتجاه

تجمدت ليان في مكانها وهي تحدق في الشاشة، كان المفتاح الفضي
يلمع بهدوء، وكأنه لا يريد أن يلفت الانتباه بقدر ما يريد أن يلفت التفكير.

اقتربت من الهاتف ببطء وسألت : ما معنى هذا المفتاح ؟

ساد الصمت للحظات. ثم جاءها الصوت المألوف :

طوال الفترة الماضية كنتِ تتعلمين كيف تتعاملين مع الحياة.

توقف قليلاً ثم أكمل : أما الآن ،، فحان الوقت لتتعلمي كيف تختارين اتجاهها.

شعرت ليان بالحيرة، قالت : ألا أملك اتجاهاً بالفعل ؟

رد الصوت : تملكين طريقًا، لكن الطريق ليس دائمًا اتجاهًا.

ثم ظهر سؤال واحد على الشاشة :

ما الحياة التي تريدين أن تعيشيها أصلاً ؟

اختفى الضوء، وبقي السؤال.

في صباح اليوم التالي، ذهبت ليان إلى عملها، لكن السؤال ظل يرافقها طوال الطريق.
كانت تظن أن النجاح يعني أن تعمل بجد وأن تكون مسؤولة وأن يعتمد عليها الآخرون.

لكنها لم تسأل نفسها يومًا : وماذا بعد ؟

خلال اجتماع خاص بإحدى الفعاليات التي كانت الشركة تستعد للمشاركة فيها،
وجدت نفسها تراقب التفاصيل أكثر من المعتاد، الجداول، المتحدثين، التنسيق،
ترتيب المقاعد، خطط الاستقبال والحركة التي تسبق بداية أي حدث.

وفجأة شعرت بشعور غريب (شعور الحماس)، ابتسمت دون أن تشعر

لاحظت نورة ذلك وقالت وهي تضحك : أعرف هذه الابتسامة

رفعت ليان حاجبيها، أي ابتسامة ؟

قالت نورة : ابتسامة الشخص الذي نسي الوقت.

توقفت الكلمات داخل قلبها لأنها كانت محقة، كانت تنسى الوقت فعلًا.

في نهاية الاجتماع، استدعتها المديرة، وضعت أمامها ملفًا خاصًا بفعالية كبيرة
ستنظمها شركة خارجية لصالح المؤسسة.

وقالت : أريدك أن تكوني ممثلة فريقنا في هذه الفعالية.

تفاجأت ليان، أنا ؟

ابتسمت المديرة، أنتِ الأنسب.

لم تكن تعلم أن هذه المهمة البسيطة ستفتح بابًا جديدًا في حياتها.

في يوم الفعالية وصلت مبكرًا، كان المكان يعج بالحركة، فرق الاستقبال، شاشات العرض، المتحدثون، المصورون والمنظمون الذين يركضون بين التفاصيل الصغيرة.

وقفت تراقب كل شيء بإعجاب. ثم لاحظت أن الأمور ليست مثالية كما تبدو،
اسم مفقود في قائمة الحضور، تعديل لم يصل إلى إحدى المتحدثات، خطأ في توزيع
بعض المقاعد.

لم تكن هذه مسؤوليتها المباشرة، ومع ذلك بدأت تتحرك تلقائيًا، تساعد هنا وتقترح حلًّا هناك
وتعيد ترتيب الأمور بهدوء كما لو أن شيئًا داخلها يعرف هذا العالم جيدًا.

في الجهة الأخرى من القاعة كان رجل يراقب المشهد بصمت، رآها أكثر من مرة، لاحظ هدوءها،
وطريقتها في التعامل مع الفوضى ثم عاد إلى عمله دون أن يتحدث.

مع نهاية اليوم بدأت الحركة تهدأ، أغلقت ليان دفتر ملاحظاتها وهمّت بالمغادرة.

وفجأة سمعت صوتًا خلفها ،، ليان ؟

استدارت ببطء وتجمدت في مكانها ،، ريم

كانت تقف أمامها كما لو أن السنوات لم تمر ، شعرت أن الماضي
كله عاد في لحظة واحدة.
ابتسمت ريم ابتسامة مترددة وقالت : لم أتوقع أن أراك هنا.

أما ليان فلم تعرف ماذا تقول، لأن الذكريات التي ظنت أنها دفنتها
منذ زمن لم تُدفن حقًا، استيقظت كلها في لحظة واحدة.

في تلك الليلة عادت إلى منزلها وهي مشوشة أكثر من أي وقت مضى.

وضعت حقيبتها جانبًا، ثم نظرت إلى الهاتف الخفي، كان صامتًا.
انتظرت قليلاً، ثم أضاء المفتاح الفضي للحظة.

وظهر سطر واحد : “أحيانًا لا يضيع الاتجاه ، بل يختبئ خلف ذكرى قديمة.”
ثم اختفى الضوء من جديد.

جلست على سريرها تفكر في ريم، وفي الجامعة، وفي السنوات التي مرت بينهما، وتدريجيًا بدأت الذكريات تعود.

في ذلك الوقت كانت ليان فتاة جامعية تشعر بوحدة كبيرة.
والدها بعيد، وأمها منهمكة في العمل وتحمل مسؤوليات الحياة وحدها.
كانت تحاول أن تبدو قوية.

لكنها كانت تشتاق دائمًا إلى شخص تشاركه تفاصيلها الصغيرة.

ثم جاءت ريم وبدأت الصداقة التي ملأت ذلك الفراغ، كانت أول من تسمع أخبارها وأول من تعرف أحلامها وأول من تلجأ إليه عندما تخاف، حتى ظنت ليان أن هذه الصداقة ستبقى إلى الأبد، لكنها لم تبقى.

وعندما تذكرت ذلك الجرح القديم شعرت أن قلبها ما زال يؤلمها رغم مرور السنوات.

في الأيام التالية اضطرت للعمل مع ريم من جديد ضمن لجنة الفعالية.

وكان ذلك أصعب مما توقعت، فهي لم تعد مجرد ذكرى، بل أصبحت جزءًا من الحاضر.
وفي كل اجتماع كانت ليان تكتشف شيئًا جديدًا، أن ريم لم تعد الفتاة نفسها.
وأنها هي أيضًا لم تعد الفتاة نفسها.

وفي الوقت نفسه بدأت تلاحظ شيئًا آخر ، ” أمها ” لأول مرة منذ سنوات طويلة بدأت ترى التعب الحقيقي على وجهها. تراها تستيقظ قبل الجميع، وتنام بعد الجميع، وتحمل أعباء الحياة بصمت.

وفي إحدى الليالي سألت نفسها : من كان يعتني بأمي حين كانت تتعب ؟
كان السؤال بسيطًا، لكنه هز شيئًا عميقًا داخلها.

وفي تلك الليلة أيضًا نظرت إلى الهاتف الخفي، (كان ساكنًا) ، ولم يظهر شيء.

لأن بعض الأسئلة لم تعد تحتاج إلى الهاتف، بل تحتاج إلى أن ينظر الإنسان حوله.

وفي اليوم التالي وبينما كانت تتحدث مع ريم بعد أحد الاجتماعات، تلقت ريم اتصالًا عاجلًا. تغير وجهها فجأة ثم قالت : والدي في المستشفى.

وغادرت بسرعة، بقيت ليان تنظر إليها وتفكر في والد ريم، وفي أمها وفي والدها أيضًا، لأول مرة منذ فترة طويلة.

وفي تلك الليلة فتحت درج مكتبها وأخرجت الورقة القديمة، رقم والدها.

حدقت فيه طويلًا ثم كتبت الرقم، وترددت، وأغلقت الهاتف.

لم تكن خائفة منه، بل من السنوات الواقفة بينهما.

وعندما نظرت إلى الهاتف الخفي هذه المرة ظهر المفتاح الفضي للحظة قصيرة جدًا، وقال :

الاتجاه لا يعني أن تعرفي أين ستذهبين، بل أن تعرفي ما الذي لم يعد بإمكانك الهروب منه.

وبقيت ليان وحدها تنظر إلى الرقم.

وأدركت أن رحلتها الحقيقية لم تعد في الأبواب التي أُغلقت خلفها، بل في الأبواب التي لم تُفتح بعد.