صوت على أعتاب الجامعة

سلسلة الهاتف الخفي 


على أعتاب الجامعة

………….
 
سلسلة الهاتف الخفي 


صوت على أعتاب الجامعة

دخلت ليان الجامعة وبدأت الدراسة، دون أن تدرك بعد أنها أصبحت تنتمي إلى ذلك العالم،

بدأت دراستها في السنة التحضرية، السنة التي لا يُطلب فيها التخصص، بدأ الأمر مطمئنًا في البداية، 

لكنها اكتشفت بعد ذلك على عدم قدرتها على التأقلم، فقد كان أصعب مما توقعت.

ذهبت وجلست في قاعة الدراسة وأمامها مقرر المادة، وهي تحاول استيعاب ما تسمع.

نظرت ليان حولها، الوجوه مختلفة، لم تتعود عليها، لكنها لاحضت أن النظرات متشابهة : تركيز، اندماج، ملاحظات تُكتب بسرعة.

أما هي، فكانت تشعر أنها تحضر بجسدها فقط، بينما عقلها ما زال في الفصول المدرسية.

دوّنت عنوان الدرس، ثم توقفت، سؤال صغير بدأ يتكوّن في داخلها، لم يكن عن المادة، ولا عن صعوبتها، بل عنها هي :

هل بالفعل سأجد نفسي في الجامعة وأتغلب على مخاوفي ؟
أم سأضيع أكثر ؟ 

لكنها تجاهلت هذا الخاطر سريعاً.

وبعد مرور الأيام  بدأت تتعود على الدارسة الجامعية وهي تحاول بكل جد واجتهاد، وعند اقتراب انتهاء الترم الدراسي كانت تذهب إلى مكتبة الجامعة، لتراجع دروسها، والأوراق متناثرة من حولها، الكتب مفتوحة، والقلب يضج بالقلق والأفكار المربكة.

امتحانها الأول يقترب، لكنها لا تستطيع التركيز ، كل ما تسمعه هو صوت داخلي يهتف لها :

ستفشلين … لن تستطيعي …  الجميع أذكى منك.

وضعت رأسها على الطاولة، وتناثرت دموعها على الورق .

هل سأنجح وأحقق ما أسعى إليه ؟ حينها .. شعرت بانقباض مألوف، ذلك الشعور نفسه الذي سبق الرنين الأول.

رنّ الهاتف الخفي … نعم، الهاتف ذاته الذي ظهر لها في غرفتها، والآن بجوارها على الطاولة، كأنه ينتقل معها حيثما ذهبت.

مسحت دموعها بسرعة، والتقطت السماعة.

جاءها صوتها الكبير، هادئًا وحازمًا :

ليان لماذا البكاء ؟

قالت بصوت يرتجف : أنا خائفة من الفشل، 
ماذا سأفعل لو لم أنجح ؟

أشعر أنني أعيش في المنتصف، لا استطيع الاستمرار، ولا الانسحاب .

الصوت : هذه ليست منطقة ضياع، هذه منطقة اختبار .

ليان : اختبار !! اختبار ماذا ؟

الصوت : اختبار قدرتك على الاستمرار دون أن تهربي من تحقيق ما تصبين إليه، ودون أن تجبري نفسك على إجابة مبكرة.

وتذكري !! ما زلتي في أول الطريق.

أنتي يا ليان تهربين بنفسك من إتخاذ القرار، تعودتي على أن يساعدك الآخرين، ولكن الآن لابد لك أن تحزمي أمرك وتقرري ماذا تريدين ؟

إما الاستمرار والنجاح أو الفشل والخذلان.

صمتت ليان ولم تنطق بكلمة واحدة من شدة حزم الصوت.

وفي هذه اللحظة..أضاء الهاتف، وظهر أمامها مفتاحان براقان. 

مفتاح الصبر ، ومفتاح النجاح والثقة .

قال الصوت بهدوء : أنتِ الآن تحتاجين المفتاح الأول مفتاح الصبر، 

وليس الصبر على المكان، بل الصبر على نفسك وأنتِ تتعلّمين من تكونين.

ليان : كيف أتعلم وأعرف ؟

الصوت : عندما تختارين ليس لأنكِ خائفة، وليس لأنكِ متحمسة فقط، بل لأن الأختيار أصبح امتدادًا لكِ، لا عبئًا عليك لأنه اختيارك، ولأنك مقتنعة بما تفعلين وتقررين.

سكت الصوت قليلاً، ثم أجابها :

والآن مفتاحك الثاني هو الثقة والنجاح أنت تحتاجين إليه لأن الفشل ليس وحشًا يلتهمك، بل لأنه باب صغير يُدخلك بمفتاح النجاح إلى غرفة جديدة لم تفكّري يومًا أن تدخليها.

أو يوصلك إلى مغامرة غامضة لا تعرفين مافيها.

هل تعرفين يا ليان!! أنني فشلتُ مرات كثيرة جداً، في امتحانات، في صداقات، في محاولات كثيرة، لكن في كل مرة كانت تقول لي الحياة :

جربي من جديد حاولي ولا تيأسي هذه المرة بطريقة مختلفة ومفتاح جديد ومختلف.

ليان بتعجب شديد : لكنني لا أريد أن أخسر !

ابتسم الصوت : الخسارة الحقيقية ليست في سقوطك يا ليان، بل في استسلامك، عدو الإنسان هو الاستسلام والتراجع.

امسحي دموعك، واعملي ما بوسعك ودعي الأيام تُظهر لك النتائج، واعلمي أن لديك الآن مفتاح قوي جداً، فلابد لك أن تستخدميه في وقته.

وتذكري دائمًا : أنتِ لستِ مجموع درجاتك، ولا مرتبتك بين الناس، أنتِ كتاب ملئ بالقصص أكبر من أي إمتحان.

بدأت أنفاس ليان تهدأ، فقد انزاح ثقلاً عن صدرها، وصارت الكلمات بلسم مسح على قلقها.

ابتسمت، وقالت بخجل : شكرًا لكِ سأحاول أن أصدق ما قلتي.

فأجاب الصوت قبل أن ينقطع : لا تصدقيني أنا… صدقي نفسك.

ثم عاد الهاتف إلى صمته.

أما ليان، فقد أعادت جمع أوراقها، وبدأت تذاكر من جديد، لكن هذه المرة بابتسامة وثقة بنفسها وقدراتها، فقد أضاء لها مفتاح النجاح.

انقطع الصوت. ولم تشعر ليان بالاطمئنان الكامل، لكنها شعرت بشيء مختلف : أن ما تعيشه ليس خيالًا، بل مسارًا طبيعيًا.

وأنها حتى دون اختيار واضح، ما زالت في الطريق.

نهضت من مقعدها بهدوء وأغلقت جهازها وجمعت أوراقها، وخرجت من مكتبة الجامعة، وفي أثناء طريقها إلى الخارج لمحت صديقتها لانا واقفة عند المدخل، تضحك مع مجموعة من الطالبات، تتحدث معهن بثقة لم تعهدها منها من قبل.

توقّفت ليان لحظة وهي تنظر إليها …

وترددت أن تلوّح لها، لكن نظرات لانا مرت من أمامها كأنها لم ترَها.

ابتسمت ليان لنفسها، محاولة التبرير : ربما لم تنتبه.

تابعت السير، لكن شيئًا صغيرًا استقر في صدرها، ذلك الفراغ المفاجئ، الذي نشأ بينها وبين شخص كانت تظنّه أقرب لها من الجميع.

وتساءلت بصوتٍ لم تُسمعه أحد : 

هل من الممكن أن يبدأ الفقد دون إنذار ؟

ومضت، دون أن تعرف أن هذا السؤال سيكسر قلبها قريبًا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *