قد تحملين فكرة رائعة في داخلك، لكن إن لم تعرفي كيف تعبّرين عنها، فقد تبقى حبيسة عقلك، بينما تصل أفكار أقل قيمة إلى الآخرين لأنها قيلت بثقة .
المهارة الأولى : فن الحديث بثقة وطلاقة (1)
هل لديكِ ما تقولينه، لكنكِ تخشين قوله ؟
هل حدث أن رتبتِ كلماتك في ذهنك، وعرفتِ تمامًا ما تريدين التعبير عنه، ثم عندما جاء وقت الحديث شعرتِ أن الكلمات اختفت فجأة ؟
ربما حدث ذلك في قاعة الدراسة عندما أرادت المعلمة سماع رأيك، أو في الجامعة عندما طُلب منك تقديم عرض أمام الآخرين، أو حتى في موقف عادي أردتِ فيه أن توضحي فكرة أو تعبّري عن رأي ،في تلك اللحظة قد تشعرين أن صوتك لا يساعدك، وأن الأفكار التي كانت واضحة في عقلك أصبحت بعيدة ،فتصمتين! ، وتقولين لنفسك : “سأتحدث في المرة القادمة” ، لكن المشكلة أن هذه المرة قد تتأخر .
قبل أن نبدأ، أريدك أن تعرفي حقيقة مهمة
ارتباكك عند الحديث لا يعني أنك ضعيفة الشخصية، ولا يعني أن أفكارك غير مهمة ،قد يكون كل ما تحتاجينه هو أن تتعلمي مهارة لم تُدرَّس لك من قبل ،كيف تحولين ما في عقلك إلى كلمات واضحة تصل إلى الآخرين بثقة وهدوء ،وهذه هي رحلتنا ،،
بداية الحكاية
كانت سارة طالبة متفوقة، يعرفها الجميع باجتهادها وحسن أخلاقها، وكانت تحب القراءة، وتحرص على فهم دروسها بعمق، حتى إن زميلاتها كثيرًا ما يلجأن إليها عندما يصعب عليهن فهم فكرة أو حل مسألة، كانت سارة تمتلك المعرفة والأفكار ، لكنها كانت تفضل الصمت في كثير من المواقف، ليس لأنها لا تملك ما تقوله، بل لأنها كانت تخاف من اللحظة التي تصبح فيها الأنظار متجهة إليها .
وفي أحد الأيام، طلبت المعلمة من الطالبات تقديم عرض قصير أمام الصف، عندما سمعت سارة اسمها، شعرت بالتوتر ، بدأ قلبها بالخفقان، وجف حلقها، وشعرت أن الكلمات التي رتبتها في ذهنها أصبحت غير مرتبة، وقفت أمام زميلاتها، وحاولت أن تبدأ، لكن صوتها خرج مترددًا، وتوقفت أكثر من مرة تبحث عن الكلمات المناسبة، بعد انتهاء العرض، عادت إلى مقعدها وهي تشعر بالإحباط. كانت تعرف الموضوع جيدًا، فلماذا لم تستطع التعبير عنه كما أرادت؟!
في نهاية الحصة، اقتربت منها المعلمة وقالت لها بابتسامة :”مشكلتك ليست أنك لا تعرفين، بل أنك لم تتعلمي بعد كيف تعبّرين عمّا تعرفين “
بقيت هذه الجملة في ذهن سارة طويلًا. فقد أدركت أن المعرفة وحدها لا تكفي، فالأفكار الجميلة تحتاج إلى صوت يحملها .
دعيني أخبرك بسر
ربما وجدتِ شيئًا من نفسك في قصة سارة، وربما مررتِ بموقف شعرتِ فيه أن لديكِ فكرة تستحق أن تُقال، لكن الخوف أو التردد سبقك إليها، إذا شعرتِ بذلك يومًا، فلا تظني أن هذا الشعور يخصك وحدك؛ فقد مرّ به كثير من المتحدثين الواثقين في بداية رحلتهم. لم يولدوا وهم يتحدثون بهذه الثقة، بل تعلموا، وتدرّبوا، وخاضوا تجارب كثيرة، وتجاوزوا لحظات من التردد والخوف، حتى أصبح الحديث بالنسبة إليهم مهارة مألوفة. فالثقة في الحديث ليست موهبة يختص بها بعض الناس، بل مهارة تُبنى بالصبر والممارسة والتدريب .
لماذا نخاف من الحديث أمام الآخرين ؟
هل تساءلتِ يومًا لماذا تتغير قدرتك على الكلام بمجرد أن تشعري أن الجميع ينظر إليك ؟
لأن الدماغ يتعامل أحيانًا مع المواقف الاجتماعية الجديدة على أنها مواقف تحتاج إلى الحذر ، وعندما نشعر بالتوتر قد تظهر بعض العلامات الطبيعية : كسرعة ضربات القلب، جفاف الحلق، صعوبة ترتيب الأفكار ، الرغبة في إنهاء الموقف بسرعة، هذه الاستجابات لا تعني أنك غير قادرة، إنها تحدث لكثير من الناس، ولهذا فالمطلوب ليس أن تنتظري حتى يختفي الخوف تمامًا، فحتى المتحدثون المتمرسون قد يشعرون ببعض التوتر قبل موقف مهم، لكن الفرق أنهم تعلموا ألا يسمحوا لهذا الشعور بأن يمنعهم .
الثقة ليست أن لا تخافي، بل أن تتقدمي رغم وجود الخوف .
لماذا تستحق هذه المهارة أن تتعلميها ؟
قبل أن نتحدث عن طرق تطوير حديثك وأسلوبك في الكلام، اسألي نفسك : ماذا قد أخسر إذا بقيت أخاف من التعبير عن أفكاري ؟
قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه يؤثر في مواقف كثيرة من حياتك، ستكتشفين أن مهارة الحديث ليست مهارة إضافية، بل رفيقة لكل مرحلة تمرين بها.
تخيلي أنكِ أنجزتِ مشروعًا دراسيًا مميزًا، وبذلتِ فيه وقتًا وجهدًا، ثم جاء يوم عرضه أمام الآخرين، كانت فكرتك رائعة، لكن التوتر جعل كلماتك غير مرتبة، وفي المقابل، قدمت زميلة أخرى فكرتها بهدوء وثقة، فلفتت انتباه الجميع، هل كانت فكرتها أفضل ؟
ليس بالضرورة، لكنها استطاعت أن تمنح فكرتها صوتًا يسمعه الجميع، وتخيلي أنكِ في مقابلة تدريب أو وظيفة، وسألك المسؤول : “حدثيني عن نفسك “، قد تمتلكين قدرات ومهارات كثيرة، لكن إذا لم تستطيعي التعبير عنها بوضوح، فقد لا يراها الآخرون، حتى في حياتك اليومية، ستحتاجين هذه المهارة عندما تريدين : توضيح فكرة أو الدفاع عن رأيك باحترام أو الاعتذار أو التعبير عن مشاعرك أو تشجيع شخص بكلمة طيبة أو حين تصبحين أمًا، وتحتاجين إلى أن تزرعي القيم في أبنائك بالكلمة الطيبة .
لذلك، فالحديث بثقة ليس مهارة للمناسبات فقط، إنها مهارة للحياة .
فالناس لا يرون ما يدور في عقلك، وإنما يرون ما يخرج على لسانك .
الحقيقة التي ستغير نظرتك
قد تظنين أن الطلاقة موهبة يولد بها البعض، فتقولين : “هي اجتماعية بطبعها” ، “هو يعرف كيف يتكلم” ، “أنا لست كذلك” ، لكن الحقيقة مختلفة! ، لا أحد يولد متحدثًا بارعًا، فالطبيب، والمعلم، والإعلامي، والخطيب، لم يصبحوا كذلك في يوم واحد ، فكلهم مرّوا بمرحلة تردد، ثم تعلّموا، ثم تدربوا، حتى أصبح الحديث بالنسبة إليهم مهارة مألوفة، وهذا يعني أن الثقة في الحديث ليست موهبة حكرًا على أحد، بل مهارة يمكن اكتسابها، تمامًا كما نتعلم القراءة أو الكتابة أو قيادة السيارة تبنى بالتدريب والتكرار ، وهذا يعني شيئًا مهمًا : إذا كانت المهارة تُكتسب، فهذا يعني أنكِ قادرة على تطويرها مهما كان مستواك اليوم .
يتبع في الجزء الثاني :
- ليس الهدف أن تتحدثي كثيرًا .
- قبل أن تدربي لسانك، رتبي عقلك .
- كيف تبنين حصيلتك اللغوية ؟
- كيف تجعلين صوتك أكثر وضوحًا وتأثيرًا ؟
- لغة الجسد والحضور .
- فن الإنصات والحوار .
- تدريبات عملية للطلاقة .
المراجع :
- زهران، حامد عبد السلام. علم نفس النمو: الطفولة والمراهقة .
- محمد بلال الجيوسي، أنت وأنا : مقدمة في مهارات التواصل الإنساني .
- مايرز، ديفيد ج. علم النفس الاجتماعي .
- جيمس بورج ، طلاقة اللسان : اكتشف أسرار المحادثة الفعالة .
- Covey, Stephen R. The 7 Habits of Highly Effective People.
- Dale Carnegie — The Quick and Easy Way to Effective Speaking
- James Clear — Atomic Habits .







